بين الشرق والغرب...بقلم الكاتب وعد الله حديد

بين الشرق والغرب.

مدونة بقلم وعد الله حديد

في الاول من ايار 2019

المكان :مدينة ديجون وسط فرنسا.

شقة في شارع عساس

الزمان :ايلول 1976

لم يكن جهدا ذلك الذي لاقيته في سبيل البحث عن شقة في تلك المدينة مترامية الاطراف ,بل كان الحظ حليفي في العثور عليها بوقت قياسي,هي شقة صغيرة نوعا ما وسوف تكون جديرة بالسكن فيها لبضعة اشهر دونما منغصات ,فالماء والكهرباء والغاز ايضا كل ذلك كان موجودا ,اضافة لكونها متدنية الايجار وتقع في وسط المدينة .

بعد الاتفاق مع مالك الشقة على مبلغ الايجار ومدة الاشغال سلمته مبلغا من المال وسلمني بدوره مفاتيح الشقة مع قصاصة ورق مكتوب عليها بضع كلمات باللغة الفرنسية لم انتبه حينها لقرائتها لكي اعرف محتواها وقال لي :اذهب بهذه الورقة الى الدائرة الفلانية كي يعيدوا لك الكهرباء والغاز ,

وغرقت مع افكاري ,وقفزت الى راسي معضلة مراجعة الدوائر الحكومية وانا ومنذ ذلك الحين لم اكن استسيغ مراجعة اية دائرة حكومية وقلت في نفسي هل ان القوم في بلاد الغرب يعانون مثلما نعاني نحن في بلاد الشرق لانجاز معاملة ما .

لماذا لم يقم السيد (محمد)وهذا هو اسم صاحب الشقة وهو جزائري الجنسية , لماذا لم يقم هو بالمراجعة ؟لابد ان العملية مرهقة مثلما هي في بلادي وتستغرق وقتا وبعض المال.

سلمت قصاصة الورق التي معي الى موظفة الاستعلامات فاشارت علي بالجلوس والانتظار ,

ولم اكد اصحو من ذهولي على حسن الكلام وحلو الابتسام الذي بادرتني به الموظفة حتى اشارت بيدها الي رجل بحقيبة دبلوماسية جلس قريبا مني واومات لي براسها ان اقترب ,وقالت ان اذهب مع السيد(ذو الحقيبة) ليقوم باللازم,

ان الوضع لم يزل يبدو متقبلا ولم تزل المنغصات ايا كان شكلها بعيدة وقد لايكون لها وجود مطلقا كي تسبب لي قرفا وازعاجا, 

حث الرجل الخطى امامي واسرعت كي الحق به دون ان يتكلف احدنا بالثرثرة الفارغة غير المجدية ,لم يكن المكان بعيدا بل كان على مسيرة خمس دقائق او اكثر بقليل .,انه يعرف الطريق جيدا فهو (من اهل المنطقة) وقصاصة الورق التي بين يديه تغنيه عن توجيه السؤال لي او لاي انسان في الطريق لمعرفة المكان.

واخيرا,هاهو ذا يحط الرحال عند باب شقتي ,,فتحت له فاندفع داخلا الى حيث يوجد عداد الكهرباء ,اخرج مفكا صغيرا وعالج به الكهرباء فأنار المكان والتفت الى ناحية انابيب الغاز فاخرج اداة عالج بها مواسير الغاز ,اومأ لي برأسه علامة الانتهاء من عمله ,لم يستغرق عمله اكثر من دقيقتين وفي الدقيقة الثالثة كان قد غادر المكان من البوابة الرئيسية ,

لقد نسي شيئا هاما,

كلا لم ينسى مفكه واداة معالجة مواسير الغاز ولكنه نسي شيئا ربما اكثر اهمية ,لقد نسي ان يسألني عن (الاكرامية) او ربما (البقشيش)او ان يطالب ببعض الاجر تحت مسمى(اتعاب),

ايعقل ان تعاد الكهرباء والغازالى الشقة في فترة وجيزة وزمن قياسي كالذي حدث معي ؟لابد انني احلم ,فالامر في وطني يتطلب جهدا استثنائيا وزمنا مفتوحا ومعاناة من كل نوع كنت ذكرتها كثيرا في مقالاتي ومدوناتي السابقة,ويتطلب فوق ذلك كله (البقشيش ) او اي مسمى اخر تكون (الفلوس) من صلب مقوماته الحقيقية.

ترى مامصدر كل ذلك الحرص ومجمل هذا الاخلاص وكيف للانسان ان يكون مخلصا او ان يكون مخربا ؟

وكيف يمكن ان تقوم الموظفة بواجبها بمهنية عالية ووجه يطفح بالبشر والحفاوة؟ وكيف يقوم ذلك الرجل المهني بواجبه بسلاسة تامة وانسيابية مع الكثير من الحرص والانضباط دون ان ينطق بكلمة واحدة ولم يخطر بباله ان يطالب بأية (اكرامية).

ماهو الدافع وراء ذلك الالتزام ,اهو الخوف من عواقب كالفصل او التوبيخ او مابين هذه وتلك؟ام ان مصلحة الوطن فوق كل مصلحة ؟

هل يحب هؤلاء الناس وطنهم بشكل مختلف تماما عما نشعر به نحن تجاه وطننا؟

 ترى ما بال تلك الشعارات التي حفظناها عن ظهر قلب عندما كنا في الابتدائية والمتوسطة ,الم تعط  ثمارها تلك الدروس في المبادئ والاخلاق ام ان دروسنا لم تكن من اجل الايمان والعمل بها بل كانت فقط من اجل ان نجتاز بها الامتحان؟

ان الاسلوب الذي تمت معاملتي به كان اسلوبا راقيا ينم عن حسن خلق  وهو لم يجيئ صدفة. وان الحالة برمتها لم تولد  من العبث وعدم التخطيط . 

كلا ايها السادة فليس للعبث ولا للعشوائية مكانا عند اولئك القوم ,وليس  في ممارساتهم الحياتية مايوحي بانهم قوم فوضويون غوغائيون .

سوف انتظر وسابقى هكذا ماحييت حتى اضع يداي على سر اخفاقنا واسرار تفوقهم ,سر اهمالنا واسرار حرصهم سر ضعفنا واسرار قوتهم 

عندها فقط سوف اعرف السبب في مجمل تداعياتنا وان غادرت الحياة فسوف اغادرها مطمئنا لان قومي قد استفاقوا من غفوتهم اخيرا وعرفوا سبب اخفاقاتهم المتكررة وسيكون باستطاعتهم النهوض وممارسة مهامهم التصحيحية وبناء العراق الجديد.

وعد الله حديد.

تعليقات

المشاركات الشائعة