حكاية خديجة ...بقلم الشاعر سامي الغانمي

حكاية خديجة ........
ككل يوم تخرج خديجة إلى الحقول لتعزق الأرض بمسحاتها أو لتنشر البذور في حقلها الصّغير . خديجة تعلمت من أبيها حب الأرض و رعاية الأشجار و السّهر على نموّ المغروسات ... ترى في حبّات الطماطم نورا و زقزقة العصافير حياة .
لا تبالي بأكل أو مشرب و لا يهمّها ملبسا بقدر ما تحاول دوما أن يكون حقلها مزدانا بأفضل الفواكه  و أجود الخضروات ...هي تعمل ليلا نهارا لتجني ثمار أتعابها في آخر المطاف ...تعمل بشغف  و تسعى من أجل توفير لقمة عيش زوجها الذي لازم الفراش منذ أكثر من سنتين و تركها وحيدة لا أنيس لها و لا رفيق سوى مغروساتها و شجيرات " السواك " التي كانت تتظلل بأوراقها تارة و تقوم بتنظيف أسنانها تارة أخرى . كل صباح قبل طلوع الفجر و الذهاب إلى الحقل تنهض خديجة على صوت أنين العم صالح هذا الرّجل الذي لم يتجاوز العقد الخامس من عمره ذو الوجه الشّاحب و الجسم النّحيف .
العم صالح كان رجلا يضرب بقوّة جسده المثل فهو الذي ضرب حماره برأسه فأراده قتيلا و هو الذي فرّ من سيّارة الشرطة عندما اتهمته باطلا جارته بالتحرّش بها ... و هو الذي سافر مترجّلا من قريته الصّغيرة " بازينة " إلى " قفصة " بحثا عن عمل في أحد مناجم الفوسفاط .
و لكن تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن و وهن العم صالح و تحملت زوجته كل مسؤوليّات البيت ..فنبشت الأرض و أخرجت منها درّا و ياقوتا و تكبدت مشاق تسويق منتوجها لأجل تحصيل قوتها .. و طبعا ثمن دواء العم صالح الذي كان باهظا .
كلّما تلتقي خديجة إلا و ارتسمت ابتسامتها على وجنتيها ...هي دائمة الابتسامة رغم قسوة الزّمن  و متاعب الحياة ..دائما تنظر إلى المستقبل بتفاؤل , و ترى الغد أفضل ... تأمل أن يعود العم صالح إلى نشاطه و حيويته . فقد أخبروها الأطبّاء في معهد " صالح عزيز " أنّه سيتعافى من مرضه و أن ألامه ستزول و يعود حيّا معافى من كل مكروه ...
ذات يوم عندما كانت عائدة إلى بيتها الصّغير اعترضها شخص ملثّم . ثمّ أمرها بأن تسلّمه كل ما تحمله من متاع ...و لمّا رفضت , جعل يهدّدها بسكّين كان يضعه بين طيّات ثيابه ...ثم تقدّم منها و أسقطها أرضا فأخذ كل أمتعتها و نقودها و حاول الفرار غير أنها أمسكت بسرواله متوسّلة إيّاه بأن زوجها مريض و هو في حاجة إلى تلك الأمتعة , إنّه الدواء الباهظ ثمنه و الجلباب الذي وعدته به و بعض الخضروات و الفواكه و المواد الغذائيّة . فهي لا تذهب إلى السوق إلا مرّة كل شهرين ....لم يبالي الغريب بأمرها بل دفعها بكل قوّة و هو يردّد" ألله أكبر " ..." الله أكبر " ...إنه نصيب أميرنا الذي يجاهد في سبيل الله ..
و سقطت المسكينة على صخرة كبيرة فارتجّ رأسها و نزف الدّم من فمها و باتت جثّة هامدة ..
سامي الغانمي
4-5-2018

تعليقات

المشاركات الشائعة